رسالة أولى لك

أنت لم تولد بعد. عندما تزيّن هذا العالم الهرم بابتسامتك، ستعرف لم تردّدتُ طويلاً في دعوتك هنا.

الأطفال يموتون هنا وأنت طفل ولا يمكنني أن أفعل شيئاً لحمايتك سوى الحبّ والصّلاة. هنا يصير اللّه ضرورة لا لشيئ سوى لدموع الأمّهات. لا رفاهيّة في الالحاد عندها ولا قيمة لنظريّات فلاسفة لم يحملوا طفلاً يوماً بل فقط رجاء في عالم أجدر بوجهك النّائم.

ستولد وسترى بنفسك قريباً أن العالم يُصلب يوميّاً. العالم يشحذ قيامةً أخيرةً لعيون من نحبّ. دنيانا مثل صبيّة جفّ صدرها ويبس، تمشي ببطئ جارّة وراءها بقايا خرق بالية مسحت بها الدّماء عن وجه ثلاثينيّ محكوم عليه بالإعدام. هرمَت بانتظار تزحزح الحجر عن موتنا اليوميّ مثل خبزنا.

ستولد وسترى بنفسك أنّنا نعيش في عالم لا يحبّ الأطفال، ينتظرهم كي يمشوا لينهشهم ويفتّت عظامهم الطّريّة تحت أضراسه. عالمنا فيه توابيت بيضاء صغيرة بحجم حبّ لم يكتمل.

ستولد وستتألّم للمرّة الأولى وسيسمع صوتك عالياً في غرفة معقّمة عندما يدخل السّم الأوّل إلى رئتك. ستمسكك يدٌ باردة وتتفحّصك بدقّة، لا تخف. ستسجّل موظّفة بليدة اسمك وتاريخ ميلادك والوزن والطّول. ستراك عيون كثيرة وتنساك بعد دقيقة.

لكن القصّة لن تنتهي هنا. كما في كلّ الحكايا، هناك دوماً أمٌّ تواجه شياطين العالم بالحبّ. كما منذ ألفين ونيّف، وقفت تحته هناك وقلبها مقسوم اثنين.

حبّ الأمّهات غريبٌ، يتّـسع لصليب بأكمله. “يكلّفني الحبّ ما لا أحبّ” قالت.

في عالمنا تتكسّر الأحلام الصّغيرة مثل الصّدف على الشّاطئ.

ولكن الرّبيع يعود كلّ عام أيضاً هنا. تزهر الدّنيا بعد أن نكون قد ظننّاها غرقت في الظّلام. الحجر ينزاح كلّ عام من جديد ليأتي “أبو الخيمة الزّرقا” بالحلوى للصّغار.

ستولد وسترى كمّاً مهولاً من الحبّ. لديك جدّتين تنتظرانك لتخالفا تعليماتي بالدّلال الزّائد والشّوكولا. جدّك ينتظرك لتكون قرّة عينه ولهوته. أمّا الجدّ الآخر، فتعرفه، هو الشّاب الشّعره أشقر الّذي حملك في يده عندما ارتجف قلبك الصّغير، سيوصلك بأمان إلى حيث زرع لك “اللافندر” لتشمّ رائحته الجميلة عندما تكبر وتمشي.

سترى عائلة وأصدقاء وألعاب وكنزات أحاكتها “السّمورة” بصبر وحبّ لك فقط. ستقابل أباً يدمع كلّما رأى حذاءاً صغيراً، سيكون صديقك المفضّل ورفيقك إلى أن تكبر. لن يعطيك النّصيحة الأفضل وقد يلبسك ثيابك “بالمقلوب”، لكن أعدك أنّه سيكون المفضّل لديك بين الجميع. لا تتّكل عليه بمساعدتك في انهاء دروسك على الوقت، لكنّك ستجده حاضراً دائماً للبكاء معك عندما تحزن. قد يبالغ في حمايتك والخوف عليك، “ما تردّ”، أركل الحياة كطابة في الحديقة وأقطف الفواكه قبل موسمها إن أردت.

وستجدني أنا أيضاً هنا. لا أعرف أيّ نوع من الأمّهات قد أكون لك، لكن أعرف أنّي سأقول لك الحقيقة دائماً مهما كانت صعبة. أعرف أيضاً أنّ العالم مقيت وأريدك أن تفرح بكلّ ما أوتيت. أريدك أن تملأى الحياة بضحكتك ولو لحين.

دعوتك هنا رغم التّردّد، لأن ثقتي أن كلّ شرور العالم ما زالت تقبع تحت رجلي أمّ أحبّت منذ ألفين.

Advertisements

أكره المدرسة

أكره المدرسة. لطالما كرهتها، ليس لأن مدرستي كانت مقيتة فحسب، بل أكاد أجزم أن تجربتي كانت لتكون مماثلة في أيّ من مدارس العاصمة في الثّمانينات والتّسعينات. يكثر حديث المنظّرين عن أن المدارس مقابر المواهب وقاتلة الإبداع، صحيح. ليست فقط المدارس الدّينيّة أو التّقليديّة من تحاول قولبة طلّابها على قياسات متخلّفة زمانها ولّى، بل إن النّظام المدرسيّ نفسه تقييد لمعظم ما هو فرديّ ومميّز في الإنسان. فكيف بالطّفل الّذي لا يزال حرّاً من موروثات مجتمعه الرّثة المتآكلة؟ لولا بعض المدرّسين والإداريّين المعدودين على يد واحدة، لأمكنني القول دون تردّد أن تجربتي كانت سيّئة بالكامل في سنين المدرسة الطّوال، كطالبة وكمدرّسة على السّواء.
في التّفاصيل.
أن أصحو في السّادسة صباحاً، العواصف في الخارج تضرب المطر على شبّاك الغرفة والغطاء يناديني، السّرير دافئ والحياة تأبى انتظار ولدٍ ليكبر على مهل ويرتدي ثيابه رويداً رويداً، أن أصحو في السّادسة صباحاً رصاصة في الرّكبة اليمنى.
تُلبسني أمّي ثياب الشّتاء الكئيبة، وأكثر قطعة مؤذية فيها “كولّان” الصّوف. لا أدري لم كانت تصرّ على إلباسي القصاص المقيت، وأنا لم أكن يوماً “برّيدة”، كان البنطلون المدرسيّ يكفيني شرّ العاصفة، لكنّها أصرّت. تشدّ به صعوداً حتّى ليصل طرفه إلى تحت الإبط، وإذا حصل و”لكّ”، أي لم يُلبس كما يجب و تغيّر اتّجاهه وهو يصعد، وجدت نفسي أمام يوم طويل طويل من “عصرة” في زلاعيمي. كان قياس ال”كولّان” دائماً خاطئاً! كبيراً جدّاً ف”يكعزل” حول الرّجلين أو صغيراً جدّاً فلا يرتفع كفاية ويظلّ “مشرشراً” بين الرّجلين. والويل لي إن أردت إنزاله في الحمّام لأقضي حاجة فأتصارع معه ويفوز بالضّربة القاضية. ما زال الكابوس هذا يلاحقني حتّى اليوم، لا يمكنني النّظر إلى “كولان” الصّوف دون أن تمسكني غصّة من زلاعيمي.
وأنا في الصّفوف الابتدائيّة، عانيت من مشاكل في النّطق فكنت أستصعب بعض مخارج الحروف ف”تعلق” في حنجرتي ولا تخرج الكلمة أو الجملة إلّا بعد مجهود يلوّن وجنتيّ خجلاً. حولي زملاء يضحكون، ومدرّسات غير خبيرات بعلم نفس الأطفال، لا يبالين معظم الأوقات، وفي أفضل الأحوال يحاولن مساعدتي بالضّغط والتّأفّف أو بادّعاء التّفهم أحياناً. الامتحانات الموحّدة كانت مشكلة أخرى، ليس لأنّها توحّد التّوقّعات من الجميع فقط، بل أيضاً لتكرار مواضيعها وقلّة همّة المسؤولين في توقّع نتائج مختلفة من بشر مختلفين.
طوال سنين دراستي كتبت أكثر من خمسة عشر موضوع إنشاءٍ عن العطلة الصّيفيّة، مثلها عن الخريف، مثلها عن عطلة الميلاد المجيد، الرّبيع، المساعدة والتّعاضد، صراع العلم والأخلاق، الاستقلال، وغيرها، بالعربيّة والفرنسيّة. وتقوم هذه المواضيع على معايير محدّدة، عليها أن تشبه النّص الّذي تعلّمناه في الصّف. من من طلّاب الثّمانينات والتّسعينات لا يعرف العبارات التّالية؟ “الشّتاء عاصف والرّياح عاتية”، “البحر أزرق والأطفال يلعبون على الشّاطئ”، “سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر”، “وطن النّجوم أنا هنا”، وتطول القائمة.
أتذكّر استراحة السّاعة العاشرة، في الشّتاء “نلطي” في ملعب مسقوف جنب الحافلات، صراخ متواصل ورائحة خيار ذابل في عروس الزّعتر أو اللّبنة. يرتطم بي طفل مقرف يركض، يلوح بيده ما تبقّى من منقوشة باردة رائحتها زيت “سينجر”، أمشي وحدي في الملعب، الصّبيان يركضون وتفوح منهم رائحة عرق ما قبل المراهقة، خليط من الهرمونات في بداياتها، وزغب غبيّ يتلألئ عرقاً على شفتهم العليا. البنات قحبات يتجمّعن في فرق في الزّوايا، لكلّ فرقة قائدة تقبل أو ترفض المنضمّات بسلطة غريبة و”كلمتها ما تنزلش الأرض”. ليس أقسى على طفل غريب إلّا الأطفال الآخرين، متمرّسين على عدم تقبّل أي شكل من الاختلاف، مصمّمين على تدمير كلّ من يتعارض مع أسلوبهم وكلّ من لا ترتدي ربطات الشّعر الّتي لها طابة صغيرة تمسك الخصلة من مقتل و”تفجّ” الرأس عند الارتطام العرضيّ بالجمجمة. وأنا لم يكن شعري سابلاً في يوم من الأيّام، (حقد إضافيّ على ذوات الشّعر النّاعم). قساوة البنات في المدرسة امتدّت إلى النّشاطات أيضاً، ما زلت أراهنّ ينظرن إلى بعضهنّ ويتكتّمن على حفلة عيد ميلاد احداهن، أو يتبادلن نظرة ساخرة عند صعودي إلى الّلوح لقراءة فرض الانشاء (هيدا نفسو تبع الرّبيع).
في الصّفوف الثّانوية اختلف قرفي مع العمر واختلاف نوعيّة المدرّسين والمدرّسات. حظيت بأكثر من مدرّس أدب كانوا لي مراجع في الذّوق والنّكتة (اللّه يوجّهلن الخير)، تعاملوا معي على أن الفكر كيان مستقلّ لا يرتدي ثياب المدرسة الرّمادية. تناقشنا واختلفنا وتحاربنا وما زال الصّراع بخصوص سرقة جبران خليل جبران لأدب غيره قائماً، رغم الاعتذار الّذي ألزمني أحد المدرّسين أن أكتبه لروح البشرّاني العظيم (طز).
لم تختلف اجتماعيّاتي كثيراً في الصّفوف الثّانويّة رغم تحسّن نطقي ومخارج حروفي، كنت خجولة في صغري وكان الخجل يأخذ شكل التّعالي، ذهب الخجل فيما بعد وبقي التّعالي. لم أتقرّب من زملائي ولا هم سعوا إلى التّقرّب منّي سوى البعض المعدود منهم ومعظمهم من غريبي الأطوار، (وهل من نوع أفضل؟).
أمّا الادارات وعلاقتي بها، فتلك الطّامة الكبرى، من كعب الهرم حتّى أعلاه، احباط تلو آخر وقمع وغضب وكره لكلّ أشكال السّلطة. حتّى النّاظرات حاملات الأجراس في الاستراحة تنمّرن عليّ، احداهنّ أرادت أن أربط شعري دون سبب، فرفضت دون حجّة، وبقينا سنيناً نعيش عذا الصّراع اليوميّ الّذي أنهكني. ظلّت تلاحقني حتّى عملتُ في المدرسة نفسها، ترنّ جرسها المقزّز عندما تراني وتدلّ على شعري، فأرفع يدي بالسيغارة وأفكّ زرّاً أضافيّاً في قميصي تحدّياً كأنّني في السّادسة عشرة.
تخطّت مشاكلي مع الادارات موضوع الشّعر لتطال منطق الفكر والتّدريس فيما بعد، نوع العلاقات الانسانيّة بين المدرّس والطّالب، جوهر نقل المعرفة واختلاف أساليبه، فكرهت المدرسة أكثر وأكثر.
كرهت النّظام المقرف الّذي يأخذ انساناً طبيعياً ومميّزاً ويحوّله بالقوّة والضّغط إلى كلّ ما هو متوسّط، كلّ ما يقوم بوظيفته الاجتماعيّة، أمّا من لا “يتبرمج” ويدخل في النّظام، فيصبح منبوذاً سوى من بعض الأفراد الّذين تسرّبوا “بالمخفي” إلى المؤسّسات وقرّروا البقاء. تبدأ البرمجة من السّادسة صباحاً، ولا تنتهي مع نهاية اليوم الدّراسيّ، فهناك الأعمال المنزليّة، والدّراسة الصّيفيّة، ولائحة الكتب الّتي قرّر جاهل في وزارة التّربية أن على الجميع قرائتها.
سبحان من درّس ولم يترك ندبات وسبحان من أنهى دراسته دون خسارة روحه.

إملأ الفراغ بالوجه المناسب- عن الغربة وفراغات أخرى

تصوّروا إناء لا ينضح بما فيه. أصحو صباحاً والدّنيا برد. أمضي نهاري كالمعتاد، ككلّ يوم، كأيّ يوم، والدّنيا برد. يأتي المساء، نتناول العشاء ونسهر كلّ مع نفسه أو ندّعي الصّحبة والحياة عاديّة والدّنيا برد. لكن “القصّة مش طقس يا حبيبي”.
يخفت الضّجيج في الشّتاء هنا، يضطرّ المرء أن يسمع فكره أخيراً، أن يصالح شياطينه وملائكته، أن يفهم ما كان ويقرّر ما سوف يكون، أن يرى وجهه في المرآة لوقت طويل.
وجهي في المرآة لا ملامح له. فقط وجهاً ينظر اليّ كلّما نظرت إليه ولا يقول لي شيئاً، لعلّه برد أيضاً. لا يعبّر عن شعور ولا ينفعل من فكرة. وجه له عينين وأنف للتّنفّس وفم للطّعام. وجه فارغ كغرفة انتظار في شمال القارّة، حتّى الأطفال المنتظرين على زنود امّهاتهم لا أصوات لهم، ينظرون إلى العاصفة من الشّباك في غرفة مضاءة بال “نيون” الأبيض، أحد الأضواء ينطفئ أخيراً بعد أن ترنّح بين الموت والحياة لساعات. والأطفال يملّون.
أنظر إلى وجهي منعكساً في زجاج الشّباك الّذي إلى الحديقة. على جبيني طير أسود لا يطير، يقفز من حائط إلى حوض الزّهور العقيم، ينفض عن جناحيه مياه مطر لم يتأنّى منذ سنة. أين يذهب كلّ هذا البكاء المتواصل؟
يعكس الزّجاج أيضاً شبّاك منزل آخر على وجنتي اليمنى، منزل لا أعرف سكّانه لكنّي أعرف عاداتهم. غرف تضاء في السّابعة إلّا ربع صباحاً وتطفأ في العاشرة مساءً سوى الغرفة الصّغيرة العليا، تظلّ مضاءة أحياناً في اللّيل، أتخيّل أنّها لطالب يدرس متأخّراً أو لجدّة تحيك كنزات متشابهة الواحدة تلو الأخرى، تخاف أن تتوقّف يداها عن الحركة وتموت قبل الرّبيع.
على وجنتي اليسرى زينة الميلاد، رفعها جاري الغني الأصلع منذ بضعة أيّام على درج منزله الفخم، شرائط حمراء ونجمة كبيرة على الباب تلوح مع الهواء. يهزّ برأسه ويبتسم عندما يراني أقف مع فنجان القهوة وراء الشّباك، يظنّني أبتسم له، لا يعرف بعد أن ليس لوجهي ملامح سوى في الانعكاس.
على أنفي يرقد جذع شجرة لا تحمل ثمراً، ألقت أوراقها أرقاً منذ أسابيع وما زالت تنظر إليهم يذبلون في بركة ماء يرسم المطر فيها دوائر ما تلبث أن تختفي بين مثيلاتها. نقطة تضرب سطح الماء فتوسعه وتغرق لتأتي نقطة أخرى في مكان آخر من البركة الصّغيرة. لا تقلق نقاط المطر الماء الرّاكد ولا تترك أثراً دائماً على رقبتي.
أرى وجهي بين رجلين رطبتين تنتظران على حفّة المغطس. تبرز منهما الأصابع فوق الماء وفقاقيع الصّابون، وعشرة أظافر حمراء تتلألأ. أغرق في الماء السّاخن حتّى فمي وأرمق فتحة حديديّة تعكس أشكالاً مضحكة، رجلين ضخمتين تصغران نحو بقايا وجه في البعيد. يتكرّر الوجه بأحجام مختلفة على تدويرة الفقاقيع، كلّها تنتظر شيئاً لا أعرف ما هو. أنصاف الوجوه تنتظر حدثاً يغيّر مجرى التّاريخ، حرباً عالميّة أو إبادة توثّقها الصّحافة الملتزمة، تنتظر ضيفاً عزيزاً أو مجزرة. ترتجف الفقاقيع الصّغيرة ويذوب بعضها في المياه. ينهمر دمع على الشّباك، يفصل بين وجهي وبرد الخارج. أين يذهب كلّ هذا البكاء الموسميّ؟
ألمح وجهي في المجلى، تتراقص عليه خيوط من الماء على صفيحة “ستاينلس ستيل”. يشقّ خطّ مائيّ طريقاً بين حاجبي الأيمن وطرف ابتسامتي، يقسم وجهي اثنين. تتسّع الفتحة المائيّة كقنوات الرّي البدائيّة لتأكل ما حولها فلا يبقى من الوجه سوى طرفة عين يحيطها الماء من كلّ جنب. يبتلّ الوجه من تشابه ولا يلبث أن يذوب في قعر المجلى، تسحبه الجاذبيّة إلى حيث تذهب السّوائل بعد نهار طويل.
ينعكس وجهي في الزينة الحمراء على شجرة الميلاد في الزّاوية. لا أعرف ما ينقص الشّجرة لتكتمل. تبدو كأنّها في زيارة رسمية عندي وقد أطالت البقاء. لو لها رجلين لرحلت. أنظر إليها مضاءة وإلى علب الهدايا تحتها، تتكلّم لغة لا أفهمها، أسمع “طراطيش” كلمات وأملأ الفراغ بالأحاسيس المناسبة. وجه عيد الميلاد: أبتسامة. وجه مساء الأحد: قرف. وجه يوم السّبت: حماسة. أستعير وجهاً لكلّ يوم أغطّي به الفراغ الأصليّ.
كأنّي في زيارة أيضاً وقد أطلت البقاء، لي رجلين، لكنّي لا أرحل. أنظر إليّ وإلى ورق الهدايا في يدي، أتكلّم لغة لا أفهمها، أسمع صوتي و”طراطيش” كلام أملؤها بالوجه المناسب.

في مديح قرحة تؤرقني

صحوت صباح الأحد وأصوات بيروت تضجّ في رأسي من حلم غريب. تناولت هاتفي واتّصلت بأخي لتنظيم مشاوي يوم الأحد الطّبيعيّة. وأنا أسمع صوت الهاتف يرنّ أمسكتني قرحة من مقتل ف”اشتلقت” أنّني هنا، في ألمانيا حبيبتنا، في سرير لم أعتده بعد وإضاءة غريبة في الغرفة. تركت الهاتف وتناولت قنينة الماء الموضوعة جنبي على طاولة أو بالأحرى على خشبة مرتفعة وظّفتها كطاولة منذ أكثر من أربعة أشهر وما زالت هنا.
قرحتي تؤلمني، ليس الألم هذا جديداً عليّ، فأنا لدي معدة مميّزة، تطحن الحجر حينما تريد وترفض الماء حين “تنوي” على الشّر. أمّا لم قرّرت أن تؤرقني الآن دون أي توقيت آخر فلذلك عدّة تآوييل جائزة.
لنبدأ بالرّوتين اليومي، أصحو في السّابعة “قبل الضّو”، والسّابعة فعلاً قبل أي ضوء، أشرب قهوتي وأتوجّه إلى معهد لتعليم اللّغة. تكون الحرارة منخفضة جدّاً، أقلّ من عشر درجات معظم الأيّام. ومن لم يعش في شمالي أوروبّا لا يعرف طبيعة الملابس الّتي نرتديها هنا، قطن خفيف أوّلاً، لأن الحرارة قد ترتفع على غفلة، فوقها قطعة أسمك بقليل للدّاخل الدّافئ، فوقها كنزة صوف للصّباح البارد وفوقها ما يردّ الماء لأن المطر احتمال لا دين له. وهو ليس مثل مطرنا في بيروت، رومنسيّاً تستخدمه ماجدة الرّومي يوميّاً مثل غسول للفم، بل يشبه “أسطلاً” من الماء ترميها جارة حانقة من الطّابق السّادس على أولاد يلعبون وقت قيلولتها. إلى ذلك نضيف قبّعة، شالاً، وشمسيّة. على من يعيش في الشّمال أن يكون على أهبّة الاستعداد لثلاثة فصول على الأقلّ في أيّ وقت من النّهار. في الصّباح يخرج النّاس “حاملين محمّلين” مثل سلحفاة خزانتها على ظهرها. تناسق الألوان قضيّة ثانويّة هنا، لا أحد يكترث إن لم يتناسب لون الشّال مع لون الحذاء، إنّها بلاد الفعاليّة القصوى والقيمة الوحيدة في الجدوى.
وأيضاً، أصل إلى المعهد بعد المشي لعشر دقائق تقريباً (ويكون وجهي قد أوشك على التّجمّد)، أتشارك صفّاً صغيراً مع طلّاب من جنسيّات متنوّعة. يبدو هذا مسلّياً للوهلة الأولى. في صفّي أتراك، أكراد، روس، بولنديّين، أذربيجاني، راهبة روانديّة، تانزانيّة، برازيليّة، صينيّتين وتونسيّة. أمّا المدرّسة فمن كازاخستان. الطّلاب يتكلّمون لغتهم الأم، المدرّسة تجيب بالألمانيّة، بينما أنا أصاب باليأس. المستويات متفاوتة، ولا أقصد لغويّاً فقط، بل ماليّاً، اجتماعيّاً، نفسيّاً وعلميّاً. بعض الوافدين من غير المتعلّمين، عمّالاً أو لاجئين من بلدان فقيرة والبعض الآخر خبيراً في مجاله.
الرّوانديّة تخبرني عن نجاتها من المجازر بفرنسيّة ركيكة، “تحلى بعيني” بلادي. الكردي يتحمّس لاسقاط اسرائيل صاروخاً على الأراضي السّوريّة فأشمئزّ وأحتفظ برأيي لنفسي. يخبرني كيف قتل النّظام السّوري كلّ اللّبنانيّين المعتدلين وقد رأى ذلك بأمّ عينه، على قناة الجزيرة، “تكبر بعيني” قناة الدّنيا. الرّوسيّات يتحدّثن مع بعضهن فقط، توفيراً للتّرجمة والضّياع. البولنديّات يلبسن “المورور” واللّماع، مثل الواصل حديثاً من شرق ألمانيا إلى غربها. يصرّ الأتراك على محادثتي بلغتهم، أحرّك رأسي تفهّماً، أضحك حين يضحكون وأتفاجأ حين أشعر بتعديل في نبرة الصّوت فأظّنّ أن تغييراً مفاجئاً قد طرأ على الخبريّة. التّانزانيّة ترتدي جلد نمر أو تمساح، ربّما يذكّرها بأفريقيا. الصّينيتان لا تتحادثان لأن كلّ منهما تتكلّم لهجة مختلفة، فهما من منطقتين بعيدتين. تقول لي لينغ بالألمانيّة أنها مهندسة لكنّها تهوى دراسة الطّب وتطريز التّنانين الصّينية على أغطية التّخت. أضحك في عبّي حين تسألني أن أدلّها على بلادي على خريطة العالم، “هالكم أرزة العاجقين الكون” لم يصلوا إلى لينغ الّتي تحبّ تطريز التّنانين. تراني إحدى الرّوسيّات أدلّ برأس قلم الرّصاص على بقعة هي واجهة المتوسّط، الرّابط بين الشّرق والغرب، طريق القوافل، أرز الرّب و”قطعة سما”. تأتيني وتضع يدها على كتفي تواسيني، تقول لي وكأنها تعتذر أنّها من سيبيريا، تستعمل يديها الاثنتين لتدلّني. سيبيريا!!!! بلاداً تستدعي أكثر من يد لتغطيتها على خريطة العالم. تنذرني التّونسيّة من بعض المنتوجات الّتي تحتوي على لحم الخنزير، أسكت، ليس لي من “حَيل” لأصحّح افتراضها.
مدير المعهد خمسينيّاً أشقر ذي تسريحة قصيرة، يشبه ظابطاً نازيّاً مثل الّذين تصّورهم لنا هوليوود في الأفلام عن الحرب العالميّة. لا يأكل، لا يشرب، لا يمازح، لا يتكلّم، فقط يعمل، “ألماني، ما عندو وقت لشي تاني”.
بعد انتهاء الدّروس تكون قد التهبت قرحتي. لكي تكتمل فرحتي، أتبضّع من متجر قريب للمأكولات واحتياجات المنزل. أحمل كيساً ضخماً وأنا أتوجّه إلى المتجر فيه القناني الفارغة لإعادة تدويرها مثل أيّ مهاجر مؤدّب. وعندما أعود، يكون قد بلغ وزن الكيس ما يقارب العشر كيلوغرامات من المشتريات، أجرّ رجليّ نحو شقّتي وأنا أعدّد في رأسي أسباب الهجرة وأذكّر نفسي بها دوريّاً، وهنا تأتيني “المغصة” الثّانية.
أقوم ببعض الأعمال المنزليّة، أتناول العشاء مع زوجي ويأتي المساء، موجة الألم الثّالثة والأكبر.
لا أصدقاء لي هنا، الأجانب يخافون من العرب أو من السّمر، أمّا العرب، فمعظمهم لا يشرب الكحول ولا يأكل الخنزير، ممّا يرفع حاجزاً فوريّاً بيننا. لن تتعدّى علاقتنا فنجان القهوة (وقرحتي لا تناسبها القهوة). وهذا ليس تطرّفاً ولا انزوائيّة، لكنّ الصّداقة تستلزم تقارباً في أسلوب الحياة، تستلزم كحولاً وخنزير. أمضي المساء أقرأ ما تيسّر، أشاهد إعادات لبرامج الثّمانينات، أشرب شاياً أخضر أو ويسكي، وأحاول ألّا أفكّر كثيراً.
قرأت يوماً في كتاب نظريّات طبيّة أن الألم جيّد، وظيفته أن يدلّنا على مشكلة ما في جسمنا، وأن ينذرنا من خطر ممكن. أفكّر بقرحتي، هل تنذرني أنّي “صرت بآخر أرض”؟ أم تذكّرني أن أصدقائي يحتفلون بأعياد ميلادهم دوني؟ أم أنّ أخي أعاد تنظيم الغرفة خافياً كلّ ما كان لي وراء الحيطان وفي الجوارير؟ ماذا تقول لي قرحتي؟ هل تخبرني أنّني لن أحضر أعراس أقربائي؟ أن كأسي المثلّج عند “أبو إيلي” أعطاه “علي” لزبون آخر؟ أن المنقل “بيركب” دون مساهمتي في صبّ العرق؟ أنّني لن أركض في البيت وراء أولاد خالي لأضربهم على قفاهم بفوطة المطبخ وهم يكبرون؟ أنّني لن أناقش جدّتي بالسّياسة المحليّة وأغيظها و خصلها تزداد بياضاً شعرة تلو الأخرى؟ أن أمّي وجدت من يأخذها إلى المسبح؟ وصارت تكوي الثّياب بنفسها؟ أتقول لي قرحتي أن الحياة مستمرّة “هناك” وأنا هنا، “لا قدرانة فلّ ولا قدرانة أبقى”؟
يقول لي ألمي أن الحزن نسبيّ، لكنه موتٌ معلنٌ بأفضل الأحوال. موت الآباء، موت الكأس الأخرى الّتي كانت “تضرب” كأسي فيفرح، موت الاتّصال بأمي لأن الانترنت عندها ضعيف، موت السّؤال في بال صديقي، موت نار “المنقل” يوم الأحد، موت وديع الصّافي، موت الاحتمالات، موت الرّحلة إلى البقاع.
يخطر لي أن أدعو النّسيم “الّي مارق عالشّجر مقابيلي” أن “يحكيلي” عن بلدي، أفتح الشّباك. تصفعني رياح مجلّدة على وجهي وأتذكّر أنّني هنا.
أنا هنا، أنا هنا، أنا هنا، أكرّر لنفسي وأنا أغفو. أنا لست هنا، يجيبني نعسي وأغفو.

ما تفوتنيش انا وحدي…

هذه قصّة بسيطة لا معنى لها. النّاس فيها غير حقيقيّين، أم كانوا حقيقيّين في يوم ما، أم لم يكونوا، فذلك أيضاً لا معنى له. هذه قصّة باب أخضر كان له بيت، أو بيت كانت له عائلة، أو عائلة كان لها حبّ عظيم، أو فقط قصّة باب أخضر كان له ما يشتهي، كان له بيت وعائلة.
للباب الأخضر شبابيك على شكل ستّ زهرات بشكل هندسيّ جميل ورائها “منخل” لمنع الحشرات من ازعاج سكّانه في ليالي الصّيف، يصيح جدّ سكنه قديماً بأحفاده كلّما نسي أحدهم أن يقفله جيّداً، لا يزعل الأحفاد، فالجد لطالما كانت “عينه ضيّقة”، لكنّه كان حنوناً. كان يأخذ أحفاده لشراء “البوظة” في القرية المجاورة ولقطاف السّماق والتّوت.
كان أيضاً للباب حصّته من الأفراح، يذكر الباب ببسمة كيف عندما كان جديداً لامعاً، جاءته عروس صبيّة من بيروت في زمن حرب وضرب، هربت مع حبيبها “خطيفة” لتتزوّجه في كنيسة القرية رغماً عن أنف الأحداث، رقص المدعوون ودبكوا حتّى طلوع الفجر على “السّطيحة”، رغماً عن أنف الحسّاد، سرقوا فرحتهم من فم الغول، أكلوا الكبّة والتّبولة وشربوا محيطاً من العرق البلدي الممتاز كالعجيبة الأولى.
كانت هديّة الباب يومها عجينة رطبة، بركة العرس يقال لها، ترمز للبركة التي تأتي مع العروس الجديدة، تُلزق عليها القروش لتدلّ على البحبوحة المرجوّة حتّى في أحلك أيّام الحرب. رقص الباب بزهوه، فرحة بالعرسان وفرحته بنفسه، بصباه، بلمعانه وبالحبّ “الدّاشر ع طراف الدّني” وكانت يومها “الدّني زغيري قدّ الكفّ”، وكان الفرح عظيماً. كان للباب الأخضر حديقة صغيرة، مزروعة بندورة وفول تفيّيها بضع زيتونات. تنزل اليها العروس وقد صارت زوجة وأمّاً لولدين لقطافها في الصّباح الباكر، تنفض النّدى عن ورقة البندورة الخضراء “فتفحّ” رائحتها و “تشقّ القلب”، تعبّي سلّة كبيرة لأنّها تنتظر زيارة من أهلها، قاطعين المعابر والقصف ليروا الأولاد. يفرح الباب عندما يأتي أهل العروس، يقطفون الزّيتون في الصّباح، يأتيهم صهرهم باللحوم الّنيئة والخبز المرقوق “ليسندوا قلبهم” في الحديقة، وفي اللّيل، يتجمّعون على “كركة” مبتكرة من أوعية نحاسيّة قديمة ليصنعوا عرقاً بلديّاً وذكريات. يأتي الجيران، موظّف البلديّة يحوّل المياه بسريّة تامّة نحو البيت لزوم تبريد “الكركة” الدّائم، تتزيّن سفرة الحرب بكلّ ما هو مقطوف حديثاً، خيار وبندورة وزيتون ولبنة بلديّة ونعنع أخضر. يغنّي الجميع في السّهرة ويخبرون قصصاً عن بيروت والجيران، من مات ومن نجا، عن “الحيّ الباقي” وعن “الباقي بالحيّ”، ويسمع الولدان قصّة “أبو الخيمة الزّرقا” ولا يفهمانها.
كان يفتح الباب عينيه صباحاً على انعكاس السّماء في بحيرة القرية الكبيرة، يرى الزّرقة اثنتين، وفي الليل يرى النجوم حوله من كلّ صوب، لا يعرف الحقيقيّة من انعكاسها سوى برقصة الضّوء على سطح المياه والرّوح ترفرف.
عاش الباب طويلاً على صوت ولدين يلعبان بما وجدا، “عربيّة رصاص”، “قوس ونشّاب” صناعة منزليّة، “نقّيفة” خشبيّة، سيوفاً من الخشب ومقاليع لا تعمل في أفضل الأحوال. فرح الباب بأن له عائلة تلمسه صباحاً ومساءاً وتطربه بأغان وحكايات، فرح بصبي صغير يسند كتفه عليه و”يشرشر” البندورة على ثيابه دون أن تراه أمّه، وبأب يختبئ وراءه ليلعب مع أولاده.
كان للباب أيضاً بيتاً صغيراً، غرفة في الوسط حائطها مائل تحت وطأة السّنين والضّحكات أو لسكر كان فيه من عمّر، لا بأس، فالحائط حمل لوحة لامرأة مجهولة باقي الهويّة. لا أحد يعرف مصدر الصّورة ولا أحد يحبّها بشكل خاص، لكنّها بقيت هناك، صامدة هانئة على حائط مائل فوق طاولة سفرة خشبيّة عملاقة من الصّعب تحريكها. جنب الطّاولة وقف برّاد عجوز كانت له أيّام مجده أيضاً، فاقت “جعرته” قدرة احتمال السّنين ولم يُرسل الى حيث تُرسل الكهربائيّات القديمة (أين تُرسل الكهربائيّات الهرمة أصلاً؟) كان سكّان البيت أوفياء بحقّه، أقلّه لكلّ ذرّة ماء حوّلها ثلجاً فحوّلت العرق والماء الى كأساً لم يصلَّ أحدٌ لإبعاده.
على الحيطان الأخرى صورتي شهيدين، شابين مثل “ضوء النّهار” في اطارين بنيّين قدم المعركة، معركة لا يذكرها أحد ولن تعنّ على بال بعد اليوم. ينظر الشّهيدان نحو الباب الأخضر، هل يتمنّى الشّهيد أن يتشمّس في ضوء النّهار؟ هل يعرف الشّهيد أن صورته المعتلية صدر الدّار تصبح أكسسواراً اعتيادياً بعد حين لا نلاحظه الّا عند التّنظيف؟
للباب غرفة شرقيّة تتوسّطها “صوبيا” للتّدفئة، تلمّ الأولاد حولها في الشّتاء على وعد النّبيذ وبطاطا تخترق رائحتها نوافذ الرّوح وتصل نحو الشّهيدين. على حائط الغرفة الشّرقيّة قماشة في إطار، عليها بطّة محيّكة بأزرار ملوّنة جمّعتها فتاة كانت صغيرة في ليلة صيفيّة مملّة، تركتها على الحائط هناك وكبرت على غفلة. أمّا غرفة الباب الثّانية، فتفوح منها رائحة “الكشك” البلدي و”الزّعتر” والنّعنع المنشّف الممدود على شراشف فوق “صواني” دائريّة كبيرة . في الغرفة سريران وشبّاك وخزانة حائط كبيرة ورائحة الجدّات الجميلة، في كلّ زاوية يدٌ مجعّدة صغيرة تصنع خبزاً و”كشك”، ليست جدّة من لا تلقّم الكشك لاحفادها مع قصّة الأميرة و”قرص الكبّة”.
لكنّ للباب حزنه، حزن عميق مثل التجعيدة على يد الجدّة العجوز، حزن بحجم أبواب الكون جميعها، وكأن كلّ ما كان قبله ليس سوى “بروفا”. عاد للباب أبناؤه واحداً تلو الآخر، عادوا على أكتاف شابّة نحو الجبل الصّغير ورقدوا هناك. عاد اليه الولد البطل والجدّ الحنون لكن لم يتشقّق ويفقد بريقه حتّى عاد اليه الصّبي في يوم ناريّ من آب، الشّمس تأكل من الزّفت زادها والنّار في الأحشاء، والعروس تمشي وراء موكب مثل اليتيمة. الطّفل الّذي استند عليه يسند بيديه صندوقاً خفيفاً وبقلبه يسند الحائط المائل ثقل الجبال. كلّ من ارتشف “شفّة” في فيئه كان هناك، وحتّى من لم “يلحق”. كلّ من حمل الطّاولة العملاقة كان هناك، كلّ من تجرّحت يده من غصن زيتونة وتلوّن جبينه من شمس بقاعه كان هناك. بكى الباب على بابه وبقي هناك، فهذه لعنة الأبواب الخضراء التي لها بيوتاً وأبناء، تبكيهم واقفة، ليس للأبواب أن تنحني وليس لها أن ترافق صبيّاً نحو بابه الأخير، ليس لها أن تغمر العروس وتبكي وليس لها الحداد. ليالي النّجوم مضت، وأصوات ولدين يصعدان جبلاً ل”مشق” السّماق البرّي تناثرت في الفصول.
الأبواب تقفلها أحزانها أحياناً، تصدؤ من دموعها وتموت.
لم يبق للباب منّي سوى قصّة بسيطة لا معنى لها، ولم يبق لي منه سوى صورة، التقتها صديقاً لي عندما كبرت ونسيت خوفي من الغول الّذي يبلع الأشياء الجميلة. قد يبلع الغول الباب وبيته والحديقة وحتّى نجوم اللّيل لكن “فشر” أن يبلع حبّاً بحجم الذّكريات، حبّاً انكوى بنار يوم مجنون من آب، حبّاً صنعناه معاً، من كشك وزعتر و”عربيّة رصاص”، حبّاً يقول لي كلّ يوم قبل أن أنام: “ما تفوتنيش انا وحدي…”

في الثّلاثين

معنى أن تكون في الثّلاثين؟ أكبر من نكون صغاراً وأصغر من أن نكون كبار، ما بين بين، منزلة بين المنزلتين، “عزّ النّضج”، نصف العمر، أقصى وأقسى ما يكون، ما مضى قد مضى وما سيأتي معظمه نتائج، “وقرط حكي من هالنّوع”، لكن بجدّ؟ ما معنى أن نكون في الثّلاثين؟
آخذ وقت مستقتع لأفكّر، أنا اليوم في الثّلاثين. هل أنا اليوم ما أردت أن أكونه منذ خمس سنين؟ عشر؟ عشرين؟ كلّا، ولحسن الحظّ.
في الثلاثين، الوجع مختلف وكذلك القدرة على الاحتمال، ان نمنا “مزنوقين” سوف نصحوا على تصلّب ووجع مفاصل، لا محالة. ان شربنا “الويسكي المضروب”، يركلنا كبدنا في “نيعنا” ويقول كفى، زمن “الحيونة” قد مضى الى غير رجعة. لا أشرب كميّة أقلّ لأنّي “عقلت” وفهمت وتفلسفت، بل فقط لأن “ما فيني بقا”. لا نشرب ونصحوا في اليوم التّالي الى أشغالنا ونوصل الليل بالنّهار كما كنّا.
في الثلاثين أقلق من وجع في “طرفي” أطال المكوث بضعة أيّام، أفكّر و”أحمل همّ”، لا نهمل الأوجاع المزمنة في الثّلاثين، بل نخاف ونسأل طبيباً ونجري الفحوصات اللازمة، لسنا “سوبر مان” في الثلاثين، بل جسمنا “موّويت” كباقي البشر، وهذه مفاجأة غير سارّة “بالمرّة”.
في الثّلاثين أفضّل سهرة البيت على الخروج الى الأماكن المزدحمة، ليس لأنّي “هرمت” ولا لأنّ النّاس غير مسلّين في الخارج، بل لأنّني صرت أتعب، أتعب من الموسيقى العالية، من الأولاد السّكرانين الذين كنتهم في يوم من الأيّام، “يكدشون” الحياة كأنّها جائزة كبرى أو كأن الأشياء لا تحتمل النّهايات، أتعب إن “بقّ معلاقه” أحدهم على حذائي، أتعب أن “يخبط” كتفي بشخص آخر في مكان مقفل، أتعب أن ألبس الكعب العالي لساعات و “أشيّك” ماكياجي في مرآة الحمّام في الطّابق الثاني.
في الثلاثين تختلف التّوقّعات، توقّعاتنا وتوقّعات غيرنا منّا، “عادي” أن يقال “نفرح منك بقا!”، أو “نقشعلك عريس” أو “لأيمتى ناطرين، بطّلتو زغار”، نتوقّع من أنفسنا الوقار، وحسن السّلوك، وحسن استقبال الضّيف، لا نُعذر اذا ما تجاهلنا “الواجبات” مع العائلة لأنّنا “بعدنا صغار وما منعرف”، لا نُعذر اذا ما قلنا كلمة “اجت واقفة” لعجوز قريبتنا ردّاً على كلام مقيت. لا عذر للثّلاثيني أن “بعد ما بيعرف”.
والأنكى وما يجرحني هو كفّ النّاس عن سؤالي “شو بدّك تكوني بس تكبري؟”… “بدّي كون، بدّي كون بعد اشيا كتير، ليه ما عم تسألوني؟ ما خلّصت كون، عبالي بعد كون.” لماذا لا نسأل الثلاثيني ماذا يريد أن يصبح؟ أليس لنا أن نصبح “بعد”؟ لم طمس ما تبقّى من الطّفل فينا؟ لم القضاء النّهائي على أي كيان محتمل ليس فينا اليوم؟ لم “تكسير المجاذيف”؟
وفي الثلاثين أيضاً وأيضاً، يصبح موت الكبار “مقبولاً” أكثر وأقول متوقّعاً حتّى، في الثلاثين معظمنا يكون قد فقد حبيباً أو أكثر (“أنا ما عندي أكثر” ـ بس هيدا غير موضوع-). عندما كنّا صغاراً كنّا نرى الخمسينيّ عجوز، عمره يبعد عن عمرنا سنوات غير معدودة وكان المستقبل البعيد بعيد فعلاً، في الثّلاثين، الخمسين قربت، والأربعين أقرب وأقرب.
في الثّلاثين نعدّ السجائر في المنفضة، لا ندخّن كمن يسابق الرئة الى “الكيماوي”، ففي الثلاثين، “الكيماوي” احتمال جائز. لا نتناول طعام العشاء مرّتين لأن صديقاً أصرّ “ما بيصير بدك تاكل معي”، لأن النّوم سيتعكّر والمعدة ليست عشرينيّة تطحن الصّخر وتقول “هات بعد”. في الثلاثين نراقب وزننا، الرّكض ليس متعة و “شمّ هواء”، بل واجب يوميّ، ان لم نطمح منه النحافة فعلى الأقلّ الحفاظ على ما تبقّى فينا من “حَيل” وشدّ ركب.
الثلاثين “ديدلاين” للكثير من الأمور.
الأصدقاء تزوّجوا وكثيرهم أنجب وانشغل، من لم ينشغل بعائلته انشغل بوظيفته وهمّه. الأهل يكبرون أمام أعيننا ويصبحون بشراً مثل جميعنا، نكتشف أنّهم يخطئون ويهربون ويخافون مثلنا جميعاً.
في الثّلاثين نحبّ أكثر، نتغاضى عن الصّغائر الّتي كنّا “نهدّ القلعة” لأجلها، نسامح وننسى، فمرور الوقت أصبح حقيقة الآن، لا نريد له أن يمتلئ بالأحزان الصّغيرة، حزنٌ كبير واحدٌ يكفي عمراً من “الزّعل”. حزن واحد هو، “طابش” ولا يحتمل المزايدة.
في الثلاثين، نثمّن صداقاتنا التي بقيت، “بتخفّ العجقة وبيبقى الّي لازم يبقى”، لا نحيط أنفسنا بالكثيرين بعد الآن، ليس لنا من همّة على الصّداقات الجديدة، أن يعرف شخص جديد كلّ شيئ عنّا ويفهمنا ويحبّنا استثمار لا وقت له بعد الآن. “الّلي بيدري بيدري والّي ما بيدري، مش مشكل، عادي”.
في الثّلاثين تختلف الأغاني، “قالولي كنّ” موجّهة لي خصّيصاً، “يا طير” عاطفيّة، “القدس في البال” خياليّة و “كبيرة المزحة هي” حقيقة لا ترحم. في الثّلاثين نكون قد أحببنا أكثر من مرّة وانجرحنا، أو ظننّا أنّا أحببنا، نكون قد اختبرنا العواطف الانسانيّة بشبه كلّيتها. نكون قد فقدنا حبيباً ظننّاه “مكسور القالب”، نكون قد ودّعنا صديقاً مهاجراً وآخر تزوّج وانكفأ، نكون قد تنقّلنا بين بيتين أو أكثر، وقد أصبحت لنا “اشيا نحبّا وعنّا بيت”.
في الثلاثين نكون من نحن، وحدنا، بما نحبّ وما لا نطيق. نكون قد عرفنا هويّتنا أو أوشكنا، بصرف النّظر عن أي شيئ أو أحد.
ماذا نريد أن نكون بعد الثّلاثين؟ في بالي أدباء يابانيون وشعراء من فلسطين ووجوه كثيرة، “سأكون يوماً ما أريد”، أذكّر نفسي كلّ يوم، لا أعرف ماذا ومتى، لكنّي سأكونه يوماً ما. لأجل من أخبَر الحَكايا، لأجل من رحل قبل الفصل الأخير منها ومن ما زال يقرأ، سأكتبها قصّة لهم جميعاً. سأكتب ثلاثيني عنهم واليهم، والى “الصبيّ” نسي جرحه في وجهي، سأكتبها اليك، فهي كانت وما زالت إليك. إليك بطبيعة الحال.

ماذا أقول؟

ماذا أقول لأدمع؟ سدّي نيعك لأننا في مكان أفضل؟
ماذا أقول لغصّة؟ الطّقس هنا جميل والرّياح عاتية؟ (لم الرّياح عاتية دائماً أصلاً؟)
أقول أن البيوت جميلة، كنا نرسمها ونحن صغاراً وعلى سطحها مثلّث بلون القرميد ولا نعرف لماذا، فبيوتنا في بنايات مستطيلة من الاسمنت الرماديّ وعليها رسوماً في أفضل الأحيان، الآن عرفت سرّ المثلّث الأحمر. كنّا نرسم أيضاً شجراً أخضر حول البيت وزهوراً وسماء زرقاء وعصافير تطير بأسربة متناسقة. وكان حول بيتنا بنايات أخرى، فقط، وجيران وحبال غسيل وفي فترة معيّنة كان قرب بيتنا ديك وبضع دجاجات ربّاها جاري “أكرم” على السّطح ليأكل بيضاً طازجاً كلً يوم.
أقول أن الايقاع بطيئ قليلاً هنا، ما من أحد مستعجل الموت ولا الحياة، لم أرى أحداً ينهش الحياة كتفّاحة قبل أن تُسرق منه بعبوة أو حادث سير غير معلن. في بيتنا كنّا نأكل ونشرب للتّخمة، هنا الطّعام محدّد بوقت وكمّية هدفها نقل الجوع الى الوجبة التّالية. في بيتنا كنّا نعانق الأصدقاء ونقبّلهم كما للمرّة الأخيرة، ونسخر من احتمال ألّا نراهم من جديد، (وانّ بعض السّخرية جدّ). هنا نلتقي بمواعيد مسبقة جدّاً ولوقت محدّد في الدّعوة.
الأزرق أزرقٌ والأخضر أخضرٌ هنا ولا مجال للّغط بينهما، أمّا البحر والجبل، فيبعدان ساعات طوال عن بعضهما، هذه ليست مفخرة ألمانية، ويا للهول.
الانطباعات الاولى متناقضة عندي، من إعجاب بالتّنظيم والطّبيعة المحافظ عليها الى تعجّب من دقّة الاختصاصات. الأوكسيجين متوفّر بكثرة، فعلاً أنّ لبنان ليس الأخضر الوحيد في العالم (يا للهول مجدّداً)، أمشي يوميّاً في طرقات نظيفة وجميلة كما يليق ببني آدم أن يمشي، لا أبقي “عين عليّ وعين عالّلاذقية” خوفاً من “بهيم” يقود سيّارة والده مرتدياً “الصبّات السّريع”. أراقب الطّيور في حديقة قريبة وأصبّح على الجار الغريب الأطوار عندما ألمحه ينظّف سيّارته للمرّة المليونين من شبّاك غرفتي. انّما من جهة ثانية، لا أناقش سائق التاكسي بالأزمة الاوكرانية ولا “أصاحب” سيّدة مسنّة في السوبرماركت، فقط لأنّننا نشتري الصّنف نفسه من الأجبان. الطّبيب طبيب هنا، وسائق التّاكسي سائق تاكسي، الجار جارٌ ومشذّب الأشجار لا يحادث بالاقتصاد المتراجع لدول النّفط. لا أظنّ أن اللّغة الألمانية فيها رديف لجميع الأمثال والتّعابير العربية مثل “من كل وادي عصا”، “أنا وخيّي على ابن عمّي وأنا وابن عمّي عالغريب”، أو حتّى “طبّ الجرّة على تمّا…”، لا جرّة هنا ليطبّها أحدهم على فمها، ثمّ لماذا يراد للبنت أن “تطلع” لأمّها أصلاً؟ لا أحد يأبه هنا لمن “تطلع” البنت وحتّى أيّة ساعة من اللّيل. لا تضيئ الجارة في الليل عند سماع محرّك سيّارة لمعرفة من “المسرّبة” في عذه السّاعة المتأخّرة من الليل.
وأيضاً، حمّلتني جدّتي الكثير من البهارات العربيّة قبل السّفر، كمّون وورق الغار وحامض اللّيمون وبهارات الشّاورما، لكنّ الطّعام وبروتوكولاته مختلفة هنا، عندما نأكل مع الأصدقاء، لا “ألقّم” الجارة حبّة في فمها لتتذوّق لي ملوحتها، لا أزايد على الجار أن يأكل “بعد” ولا “ولوّ من ديّاتي، بدّك تذوق ما بقبل”. في بيتنا أطعم “رامي” ابن خالي من يدي كمشة حرّ بحجم حبّة حمّص وهو مغمض عينيه، أناول “نور” بنت خالي بالممسحة على مؤخرتها وألفّ “عروس بطيز العروس” لأخي زياد. ان لم يعجبني الطّعام في بيتي آكل في أيّ من بيوت البناية، فكلّنا صحن واحد وعائلة واحدة.
بعض من تعرّفت اليهم يحادثني بالانكليزية مجاملة لبعض الوقت، لكن معظم المحلّيّين لا يتكلّمون سوى لغتهم (وهي بالعلامة سهلة للتّعلم عند سماعها كلّ الوقت ولو كره “نعيم” كلامي هذا)، أستمع اليهم في الجلسات يتكلّمون ويمزحون، مجمل حديثهم عمّا أكلوا وعن مشاريع العطل، لا عن الفن ولا الأدب ولا مستجدّات السّياسة العالمية ولا المحليّة. كلّ يناقش في اختصاصه هنا ولا ابداع في الآراء ولا فتاوى من غير الاخصّائيّين. في بيتنا عندما يكون الجار طالب طبّ في السّنة الأولى، يأتيه الجميع باستشارات أو بطفل ارتفعت حرارته فناولته أمّه “الانتيبلوتيك” تحسّباً، يسفّها حبّة كلّ ستّ ساعات كالفستق.
العادات هنا غريبة في المشروب أيضاً، يمسك الواحد منهم بقنّينة البيرة و”يمجّ” نصفها نزولاً في الحلق، “لا مين ذاق ولا مين مزمز”. حزمت العرق اللبناني قبل أن أحزم ثيابي، أنزلتها معي بفخر الى المشاوي، لم تُعجب جيراني، أحدهم شربها دون كسرها بماء والثّاني تغيّرت معالم وجهه كمن رأى شبحاً عندما “غبّها” بفم ملآن. انّه شراب متخلّفي العالم الثّالث، سمعت أحدهم يفكّر. في بيتنا كانت تنزل القنّينة مثل العروس، حولها الحاشية والخضار، تفرض جوّ الالفة وتعطي احساساً بوفرة الوقت، المستعجل لا يشرب العرق. في بيتنا نجلس مطوّلاً لنشرب العرق، اخوتي يعزفون الأغاني الجميلة، “طوني” على المشوى، الصّبايا يحضّرن التّبولة، أمّي تغنّي ولا أحد ينظر الى ساعته، لا أحد!
وبعد، لا بحر هنا، لا ملوحة على الشّفاه وحُبيبات متلالئة على الخدود، لا تخشّباً في الشّعر بعد يوم على الشّاطئ. في بيتنا، كنا نخرج “علي” صديقي وأنا الى البحر كلّ أسبوع في الصّيف، “يهرّب” علي الممنوعات الى داخل المسبح، ويسكي أو فودكا حسب المزاج، والحلويات الصغيرة على شكل دببة ملوّنة مجهولة المصدر والمكوّنات وعلى الأرجح مسرطِنة، و أنا آتي بالألعاب المائية التي أبقيها في سيارتي. نمضي يومنا نشرب البيرة و”أعمّده” بالماء المالح والحب وما صنعنا من ذكريات، أمسك شعره الطّويل وأغرقه، فيصعد على كتفيّ لخفّته وأحمله وأحارب به أمّي وأمّه الموجودتان في الماء أيضاً، مثل “دون كيشوت” أدور به من معركة مائيّة الى انتصار ونحن ننشد أغان ثوريّة. لا بحر هنا ولا “علي” ولا أغانٍ ثورية، هنا يوجد مسبح لأهالي المنطقة، مياهه حلوة ونظيفة جدّاً، يسبح فيه الأولاد بهدوء ورقيّ، لا يُسمع لهم صوت ولا يلعبون “الحرب”. وعندما يخرجون من الماء، لا يبقى على وجوههم ملح ولا في شعرهم، فقط ماء، ماء مسطّح يفوح بال”كلور” وروائح بلدان الشّمال. لا تلوّح وجوههم شمس متوسّطيّة ولا يملكون “رشّاشاً” للماء ولا أيّ من أسلحة بيتنا المائية المميّزة.
ممّ أشكو؟ وهنا أسمع صوت عصافير تزقزق كما في أفلام “ديزني” بدل “جعرة” موسيقى جاري المتخلّف في بيتنا (ما زلت أصحو في الليل على “غيرك ما بختار، لو عرفوني بغار”!).
علام أعترض؟ وعندي كلّ الوقت للكتابة هنا كما اشتهيت طوال حياتي. وكلّ طريق قابلة للرّكض فيها دون روائح الأراغيل على المنارة في بيروت.
من الصّعب تحديد المشاعر في أشهر الهجرة الأولى. أخرج من البيت مسرعة نحو بيت “ستّي” لأسألها عن عجينة البيتزا و”أشتلق” أنّي هنا، وهنا ليس بيتنا. أتناول هاتفي لأخبر “جورج” نكتة جديدة عن صديق مشترك كثير الكلام والكذب وأرى نفسي هنا، بين وبينه بحر على الأقلّ، لا قهوة في بيت الجمّيزة ممزوجة برعب من انهيار البيت القديم تحتنا، لا اتّصال معتاد من “ساره” كلّ ثلاثاء تسألني “شو العشا اليوم؟”. هنا لا ينهار أي مبنى ولا توجد أخبار عاجلة على التّلفاز. هنا ليس لي موعد معتاد مع أحد، آكل معه كلّ أسبوع دون الحاجة الى الأحاديث البنّاءة، فقط لننوجد سويّاً في غرفة واحدة، ما لي أحدٌ هنا “أتفنّن” في صنع البطاطا له ونسكر دون أن “نعدّ قداح”. لم يتركني أصدقائي، فالجميع يجد وقتاً لي، على “السكايب” أو “الواتساب” أقلّه، لكنّي أعجز هنا عن اعطاء رأيي بعطر استعارته “كريستين” من أمّها خفية. لا يمكنني رؤية حلقة أذن “ريتا” ومقارنة اللؤلؤة بالأخرى ونحن نصنع “الفودكا”. لا يمكنني الصّعود الى “السّادس” بحجّة فنجان قهوة وينتهي بنا الامر بقنّينة ويسكي ونيّف، “السّادس” حيث حاصرتنا ذكريات كثيرة، اخواني وأنا، وأنقذتنا ضحكات مجنونة من حصار الذّكريات. “السّادس” حيث بكينا، وضحكنا حتّى بكينا من الضّحك، ونمنا على الأرض وطلبنا الطّعام آخر اللّيل واتّفقنا أنّ “بكرا الدّايت”.
اليوم أفهم مشاعر أصدقائي الّذين هاجروا قبلي بشكل أفضل، الأحداث اليوميّة التّي تصبح ذكريات بين يوم وآخر، فرق الوقت الذي “يبحش” هوّة بين الرّفاق، والأسوأ فروقات الطّقس، “جهاد” و “نور” و”رامي” يسبحون في الشّمس ويرسلون لي الصّور وأنا أنظر الى السّماء فلا تعطيني سوى مطراً غريباً لا رائحة له وبسمة رماديّة باردة كالمعدن الصّدئ.
وبعد، أفقد الأشياء الصّغيرة، منقوشة “أزاد”، صبحيّة “تيتا”، اتّصال صديق ودعوته الى قهوة الأحد بهد الظّهر، “أبو ايلي” وكأسي الّذي لي فقط، مزاح “الدّكنجي” معي فقط، “الشوكولا” مع فستق الّذي تشتريه أمّي لي، لي فقط، خبريّات أولاد خالي التّي يقولونها لي فقط، حديث “طوني” الذي أفهمه دون الجميع، أنا فقط، وكلّ ما كان من المسلّمات من ثلاث أسابيع فقط، فقط. وأفقد ما كان لك، لك ولي، لنا. أفقد أن أشاركك التّجارب الجديدة و “ننقّ” سويّاً على وطنٍ لفظني بعيداً كاللّقمة “الممجوجة” ولم أخنه بعد. لوددت أن أخبرك عن مدرسة الموسيقى العالميّة هنا، وعن البيرة المحليّة وعن الطّرقات التّي ليس عندنا مثلها. أفقد أن أقول لك الأشياء فأكتب، أكتب عن الأشياء كلّها، لنفسي ولأمّي ولأصدقائي أكتب. أكتب أيضاً اليك، (ما أصلاً كلّن صاروا عارفين)، أكتب أساساً اليك، فهي ولو تنوّعت المواضيع والمناسبات، ما زالت كلّها اليك، حزني وفرحي، جديدي و”سولفتي”، اليك. اليك بطبيعة الحال.

To write or not to write, that is the answer.

To write or not to write… to write in English is the question today. The advantages are numerous, ranging from a wider spectrum of international readers to the ease of usage of my new Macbook Air that does not come with Arabic lettering. However, writing in Arabic is closest to breathing, it is easy and natural and coming from the heart. Advocates of English literature argument that writing in English is the only sure road towards recognition for any new author, Arabs are not known for their avid reading (that is the sad fact), relying on the Arab market is a lost cause, I might as well not write at all. Aside from friends and some family members, no exposure is in sight.  Arab authors who got published and translated almost exclusively wrote in a foreign language and mostly about wars and immigration, how a poor young Arab got out of it all and thrived to succeed in a hostile environment, alone in a forty meters square apartment, sad and without contact, with a severe post traumatic syndrome result of a distant civil war. No. I do not wish to become internationally successful by pulling my civil war string and marketing myself as a survivor with a sense of entitlement to first world luxuries. I am not sad nor alone, I did not leave my country because of any threat to my person. I live with my lovely husband in a ninety square meter house, my neighbours are very warm, I already have friends and Germany has been most welcoming to be honest. I am not a sad Arab. Writing in my mother tongue is a happy process to me, it unleashes any inhibitions in my mind and speaks as if to a friend, it is a natural formation of ideas that are one with the words moving them towards a though. My grandmother does not speak English, it is important to me that she be able to read and laugh, that I am not willing to compromise on, ever. I refuse to alienate my most important fans for the sake of recognition from strangers.  Strangers might sympathise and understand, but my family was around during the formation of every though resulting in writing, it is only fair to make it understandable to them.

Where does this leave us now? I am lost. My language seems my enemy for a moment, I do not know if Mr. Murakami ever felt the same about his, But if I chose to write in Arabic, I will never be able to ask him and get a reply.  And if I eventually choose to use the “common tongue”, will I be able to finally write the novel I have so meticulously planned in my mind? How then would I speak of “the boy with the golden curls”? how would I cut a vein and let it flow? (Can blood be translated?) Would the most intimate of feels allow their display in a store like some exotic treats from an unknown land? It seems like slavery to me.  With an eye on my keyboard and my mind at my Grandmas… I am lost. To write is the answer, to every question I have ever been asked or asked myself ever since I was six years old, some think it is the hardest part of it all, to know the answer. That was the easy part for me, the tougher question is “who”, not “what”, who is writing, and who am I writing to?
I am writing to me, to escape the eternal damnation, forgetting, death´s little sister.
I am writing to my family, because I love them and I owe them every word.
I am writing to my friends, I miss them and I´m waiting to see them soon.
I am writing to the “boy with the golden curls”, I promised to tell the story… every story, to you and about you. For when we are apart and between us stand lands and rivers, seasons and years, only stories can hold us warm at night. Only stories will keep us together, forever. I will knit it one thread at a time, one chapter at a time, one character at a time to make the great web that was your life, my life, our life.

 

اليك بطبيعة الحال

سنكون يوماً ما نريد. وعدني الشّاعر ومات. قلت اريد ان أكون كاتباً يابانيّاً عندما أكبر وأصنع شيءاً عظيماً تتذكّرني به الأجيال القادمة. لكن عزلة المئة عاماً قد مضت، سرقها منّي صديق ومات هو أيضاً. أين يذهب الكتّاب عندما يموتون؟ من اين آتي لنفسي بحرب اسبانيّة اخرى لأوزّع بريدها وأذوب بين كنائسها؟ أين أرصد لقلمي نكبة أخرى أزيّنها بحبال غسيل وحمامات؟ متى سأخون وطني؟ هل ترك لي أحد شيئاً لأكتب عنه سوى موت الآباء غير المعلن؟ أين يذهب الآباء عندما يموتون؟

الرّحيل حالة نفسيّة بالدّرجة الأولى. نترك ونمضي نحو مكان آخر لنستقلّ حياة أخرى، تماماً مثل الترجّل من تاكسي الى آخر. ماذا نحزم في حقيبتنا؟ ما الّذي يتّسع من نفسنا في عشرين كيلوغراماً ملؤها زعتر وبهارات؟ كيف نلبس حول رقبتنا يد جدّة عنيدة وحوض خزامى؟ أحسد حنظلة الصّغير، ليس فقط لأن لفلسطين مسيحها ، بل لأن الرّحيل القصري رومنسيّ أكثر من أيّ خيار، تمضي مع أهلك وشعبك رابطاً حول زندك خنجراً لجدّك تحتفظ به ذكرى وحولك بلادك في كلّ حين. حزنك لك، أمّك لك، أرضك أغنية و لجوئك لك، أنت شاعر رغماً عنك وليس لديك جرح آخر.

أظنّها خفّة الكائن التي لا تُحتمل، أو هي قدرتنا اللامتناهية على التّأقلم، تسحبنا من سريرنا من نومة أصبحت فجأة “الأخيرة”. نهائية الأشياء تجرحني (وآخر البحر). أن نرى ونسمع ونشمّ ونلمس للمرّة الأخيرة ذرّ لملح على جرح قديم. نحن نخسر مرّة  واحدة فقط، كلّ خسارة تالية تذكير ليس إلّا.  هو فراغ واحد لا يتّسع لحزن آخر، خلاء واحد في روح الرّوح، يستبدل الحزن بالآخر. أين يذهب الآباء عندما يموتون للمرّة الأخيرة؟ ولم يصعب استجلاب وجههم الينا يوماً بعد يوم؟

 أكتب عن الأمور الأخرى والأحداث، أنشغل بالصّداقات القديمة والجديدة، أنظّم وأنظّر وأحلم وأنسّق. أخطّط روايات عن شخصيّات خياليّة حزينة، أميرة أسيرة الجبل السحري، موظّف البنك الذي ينقذ العالم بمساعدة ضفدع عملاق والكثير من الشخصيات المركّبة، أعطيها أسامٍ وروائح وأمكنة تشتاق إليها وأطعمة مفضّلة. أحلم برواية تنهي كلّ الرّوايات وتعصف بالعالم وبكلّ جوائزه. وأنام وأنا أخاف على الحلم من ولد طائش يلعب بالماء ويحرق كلّ الأوراق البيضاء.

أكتب عن الأمور الأخرى والأحداث، لكن كلّ ما أكتب يعود الى الصّبي ذي الشّعر الأشقر والى قرية ترابها أحمر وأمّ تخبر حكايا قبل النّوم.

دوران الفصول خيانة عظمى “وانت مش هون”، وأسوأ ما فيها أنّها تفضي إليك. وأسوأ ما في الأسوء أنّك كنت جميلاً طيلة أيّام السّنة. ماذا أشرب؟ في كعب كلّ كأس وجهاً ضاحكاً يشرب من حزني ويأكل من يدي.

ماذا أكتب بعد الآن وكلّ حزن يضأل حياء من قصّة قديمة؟  أكتب عنك رغم تنوّع الوجوه، أخبر طفولتك رغم كثرة الأسماء، أسمع صوتك في كلّ فاصلة وقحّة عميقة من الرئة اليمنى. لن أبرّر لأي قارئ لم أصبح يعرفك مثلي ولمَ أحزنه بموت غريب، لن أبرّر. لن أشرح لأيّ كان سرّ كلّ الرّوايات. “متل اجري”، لن اهديها لأيّ كان، فهي دوماً اليك. اليك بطبيعة الحال. 

“يحدث لي دون سائر النّاس”

“يحصل لي دون سائر النّاس” هو عنوان كتاب هزلي مصوّر قرأته منذ زمن طويل لكاتب أردنيّ نكد أهداني ايّاه صديق أردني نكد أيضاً. لم أتعاطف كلّياً مع الكاتب، كنت أظنّ أنّ المبالغة جزء من سرديّة الكتابة وأنّ الأحداث السّيئة لا تحصل بالضّرورة مع الشخص نفسه دون سائره من النّاس.

الّا أنّها تحصل. انّها تحصل لي. دون سائر النّاس.

رحلة الهجرة الى الشّمال، أيّ شمال يكن، شمال القارة، شمال الحزينة رياحه، شمايلة عالغصون عيني… أيّ شمال:

أنوي الرحيل. أضع فكري في اطار يعجبني، أتمرّن على اللغة، لا أكثر من شراء الثّياب فالسّفر قريب والأمتعة المسموحة لا تتجاوز كيلوغرامات قليلة أنوي تعبئتها بالزعتر الحلبي والحرّ الأحمر. أراجع موقع السّفارة الألكتروني لحجز موعد والتأكد من الأوراق الرّسميّة المطلوبة. وهنا، يحصل لي أن تلتهب الأزمة السّوريّة و”تنتخي” السّفارات الاوروبية لتقدمة اللجوء للنازحين في لبنان. لا مواعيد في المدى المنظور، ومن أنا أصلاً لأسبح عكس الأزمات الاقليميّة التي تستدعي تدخّل الدّول الكبيرة؟

واروح أدوّر أروح أدوّر أروح أدوّر على نفسي

أجنّد جيوشاً من الأقارب والمعارف، اسأل يميناً وشمالاً عمّن يساعد في الحصول على موعد. تمرّ الأيّام وأتلقّى بضعة اجابات. تجبرني احدى القريبات أن اتّصل بشاب لبنانيّ “شلفون” ويعرف أموراً كثيرة. اتّصل به لتصدمني حقيقة عمله: حارس أمن في احدى السّفارات، يعرف الكثير عن أساليب التّفتيش الشّرجي والتطويق في حالة الهجوم الارهابي. فقط لا غير. أكتشف شيئاً عن نفسي: ضيق احتمالي لضياع وقتي في المكان غير المناسب.  ينصحني صديق بالاتصال ب”شلفون” آخر، بائع مجوهرات سوريّ الجنسيّة وقد ساعد الكثير من اللاجئين في طلب الهجرة الى اوروبا صديقتنا. “أجالد” على نفسي واتّصل، يدعوني لرؤية المجموعة المميّزة لخريف وشتاء السّنة الجديدة… يخبرني أيضاً عن صعوبة الحصول على موعد. “بالله عليك؟!” أكتشف شيئاً جديداً عن نفسي: ضيقاً في التّنفّس يأتي على شكل موجات بطيئة عندما أسمع كلمة “سفارة”. تتصّل أمّي بصديق قديم وهو دبلوماسيّ عريق وله علاقاته مع السّفارات. يعدني خيراً. لا أصدّقه. وأكتشف شيئاً آخر عن نفسي: صرت كثيرة الشّك. يأتيني بموعد أقرب ممّا كنت أتوقّع، ترتجف عضلة قلبي. المعاملات الرّسميّة على الأبواب، سباق مع الزّمن، وأسبوع من حياتي سوف أقضيه في غياهب الادارات الرّسميّة وبين أحذية المخاتير. نبتدي منين الحكاية؟

إرهاب وكباب، أو يوم كادت تُعتقل جدّتي لثقل في سمعها:

تيتا سميرة ليست ارهابيّة، هي معارضة عنيفة من زمن كان فيه اليسار للفقراء وكانت المظاهرات “على بطن فارغ” تطالب ب”خبز وسلم وحرّيّة”. قامتها ممشوقة مثل “ابن اربتعش”، و تأخذ مقولة “نام بكير قوم بكير وشوف الصحة كيف بتصير” بشكل شخصيّ جدّاً. ثقل سمعها في السّنوات الأخيرة، فارتفع صوتها تلقائياً حتى كان أن يسجننا… تأتيني في الصّباح الباكر “قبل صياح ديوك الحيّ” وتنتشلني من نوم خفيف أصلاً.”يلّلا تيتا تأخّرنا عالأمن العام”. انّها السّابعة صباحاً، ما زال حرّاس الأمن العام نائمون. أشرب قهوتي سريعاً وهي جالسة “على حفّة طيزا” وترمقني بنظرات مستعجلة. أرتدي ما تيسّر، أبقّ “الفشش” بعد السيغارة الأولى ويضجّ رأسي من ويسكي الليلة الفائتة. ننطلق مثل باتمان وروبن في البيكانتو الصغيرة نحو يوم أمنيّ طويل. نصل الى مبنى الأمن العام، لا مكان لركن السّيارة، أعود بها الى البيت بعد عدّة محاولات ونعدّل الخطّة، سوف نستقلّ وسيلة نقل عام. تتأبّط تيتا جزدانها وتقف على طرف الرّصيف مثل الفاتحين تنتظر لحظة الصّفر. ينتشلنا عمّ في سيارة أجرته سريعاً وننطلق وتحتنا الزفت ظاهر من فتحة في أرض السيارة. أحاول فتح الشّباك لاستنشاق عليل الهواء فيناولني الشوفير “مفكّ براغي” صليب حجم متوسّط لأسند به الزّجاج وأنا أنزله كيلا ينكسر. “الله يطوّلك يا روح”. نصل الى أمام مبنى الأمن العام وهنا المشهد الكلاسيكي المتكرّر، أربع أيدٍ تتسابق لمناولة السائق اجرته، وهو ضائع لا يعرف ممن يقبض، فالجميع يتحوّل الى أبا حاتم عند لحظة حساب الاجرة.

ندخل الى المبنى بعد تفتيش بسيط ونذهب في باب ضيّق يختنق بالبشر والدّرك. أمامي “حجّة” طاعنة في السّن وجدّتي من خلفي تمنع أي أحد من أن يتخطّى دوره في الصّف ف”الحكم ملح الأرض”. “ما تخلّيه يمرق هيدا من قدّامكّ وين مفكّر حالو” توشوشني بأعلى صوت، فينظر الرّجل اليّ شذراً وهو يعضّ شفته السّفلى بقهر. تقول لنا موظّفة بليدة أننا نحتاج اذناً من النّيابة العامة لتخليص معاملتنا. “امشي ستّي امشي، كس اختن اخو شرموطة ما بيخدمو حدا!” فاصفرّ وأخضرّ وأوزّع ابتسامات متأسّفة لكلّ من سمعها. نقطع الطّريق نحو مبنى النّيابة العامة، حيث العدل أساس الملك، والحرّاس على الباب يتثاءبون لاعنين اليوم الّذي قرّروا فيه ترك المدرسة بعد ال”بريفيه”. تفتيش روتينيّ أيضاً ودخول من باب حديديّ لكشف المتفجّرات (بينما الشاب الذي يوصل الماء يتنقّل بحريّة من خارج الباب الحديديّ ممازحاً الشرطي بأنّه ينوي تفخيخ غالونات المياه. “لول” عليك وعلى أبيك “ما أهضمك!). تأخذ “دركيّة” جزداني لتفتيشه، لم يعجبها منظري الصّباحي. تفتح سحّابة بعد اخرى وتدقّق في محتوياتها بقرف ظاهر. تصل الى سحّابة داخليّة فيها أغراض نسائيّة، ترمقني بنظرة عارفة وابتسامة متآمرة كأنّها تقول “جايتك أنا بعرف…” أتوجّه لصعود الدّرج وأضيع تيتا. أنظر من حولي. أراها متوجّهة مثل السّبع نحو رجل ذي شارب مهيب، واقفاً يعطي تعليماته لعناصر مجمهرين حوله ينظرون اليه بإعجاب وهول. “ساره تعي نسأل هيدا العصفور منين بدنا نروح”. أسمعها تقول عصفور، أراه يسمعها أيضاً، أركض وأمسكها من ذيل كنزتها وأسحبها بعنف فينظر الينا الرجل “المشورب” وكافّة عناصره بمفاجأة. نصعد الى الطابق الأوّل، يشفق علينا أحد الموظّفين فيعرض مساعدتنا. يأخذ طلبي الى غرفة قاضي الأمور المستعجلة، على الباب حارس متأهّب ل”عضّ” كلّ من تسوّله نفسه الدّخول بغير اذن. أتذكّر فيلم عادل امام “ارهاب وكباب”. أضحك في أكلح الأيّام من شبه غريب بين الفيلم وحالتنا. حولنا قضاة ب “روب” فقد بريقه، كم سنة أفنى من شبابه وهو يدرس ويحفظ مواده لينتهي به الأمر في “روب” ممزّق عند الطّرف؟ أرى شابّين من جنسيّة شقيقة، ينزلان الدّرج “مكلبشين” ويمسك بياقاتهما عنصر فخور بجاكيت تقول “فرع الاستقصاء”، يبتسم الشّابان. لماذا؟

يخرج دركيّ طويل القامة عريض المنكبين وبيده أوراقاً ومعاملات وينادي بالاسم والدّعوى: “يوسف الفلاني، قضية دعارة! سميحة الفلانيّة، تزوير!” يقبض قلبي وأحاول تذكّر ما اسم معاملتي… “دخول وخروج”. حلو. ينادي عليّ، آخذ ورقتي ونتوجّه بها مجدّداً نحو الأمن العام.

يحصل لي دون سائر النّاس أن “يفقع” مزراب على باب المبنى ويفيض الوحل من بركة قريبة ويتدحرج البحص والتّراب من ورشة عمار ف”ينلخم” الحرّاس في هرج ومرج.

يتمّ توجيهي الى مبنى داخليّ ضخم فيه أبواب كثيرة، أركض صعوداً نحو “المعاملات” ونزولاً نحو “الكافيتيريا” مرّات عدّة لجلب طوابع وصوراً، أرشد “شقيقاً” من هنا، و”أناول” عنصراً جائعاً “ساندويشة” الدّجاج المشوي. “أتفركش” بأطفال لاجئين حفاة ينتظرون مصيرهم في عالم صغر الى حجم غرفة “كافيتيريا” لا يرى الصّغير منها سوى أكياساً ملوّنة من ال”تشيبس” بطعم النّزوح.

“عم فتّش عالمختار بعدني من مبارح”:

في منطقتي أكثر من مختار، أتعامل مع اثنين منهم، أحدهم بحكم الصّداقة وعنده عامل الخبرة، والثاني بحكم الجيرة وعنده عامل السّرعة. المختار الأقدم يهتمّ بأوراق تسجيل الزّواج، وهي معاملة بطيئة وطويلة تقطع النّفس، زاد عليها طولاً وعرضاً كون الزّوج من جنسيّة أجنبيّة. المختار لا يطلب كلّ أوراقي دفعة واحدة، بل يرسلني الى المطرانيّات والدّوائر بالتّقسيط المريح، يخيّل لي أنّه يحبّ رؤيتي المتكرّرة، “يستفقدني” اذا ما مرّ أسبوع ولم أقصده. أمّا المختار الآخر، فقد تعهّد بتخليص معاملات التّرجمة المتوجّبة عليّ قبل موعدي في السّفارة. يتّصل بي اليوم (قبل أقلّ من 24 ساعة على الموعد) ويقول لي بصوت متهدّج ولكنة أرمنيّة: “الشّب يلّي عم بخلّص التّرجمة عامل حادث وغايب عن الوعي، ما منعرف وين اوراقك”. يحصل لي دون سائر النّاس، أن ينتهي بي الأمر أمام عذر من فيلم هنديّ. “ماذا أقول له؟” لموظّف السّفارة الجدّي عندما يسأل عن التّرجمة؟ في المدرسة كنّا نقول أن السيّارة تعطّلت، لا يصدّقنا النّاظر لكن يسمح لنا بالدّخول الى الصّف متأخّرين. أمّا أن أذهب الى موعدي برواية مروان شربل-يّة، فمحال أن يصدّقها أحد، ولو أنّها الحقيقة.

وبعد:

وبعد، يحصل لي دون سائر النّاس أن يسقط نيزك في فمي، أن تتعطّل أوراقي المترجمة والمصدّقة في انفجار نووي لا يدري به أحد، أن أختفي وأغرق في “شبر” من المعاملات الرّسمية. يحصل لي دون سائر النّاس أن “تفرعن” التّنظيمات الارهابيّة وتأخذ حزني نحو الهاوية فلا تكون قصّتي ذات أهمّية بعد الآن. يحصل لي دون سائر النّاس أن تتضافر القوى الظلاميّة مع البلدان الكبيرة وتخلقان أزمة لجوء لمنعي من السّفر. يحدث لي أن يهاجر “واسطتي” الى أستراليا قبل اتمام المعاملة، يحدث أن تكون مفتّشة الجزادين في الأمن العام بمزاج سيئ للغاية. أن أريد الرّحيل ولا أجد اليه سبيلاً، أن يخونني وطني قبل أن أخونه، يحصل لي دون سائر النّاس.